قد لا تنجح الجهود العلاجية المبذولة في علاج أمراض مزمنة كالسرطان واضطراب المناعة الذاتية والبدانة ما لم يتغير نظامنا الغذائي، هذا ما أكدته دراسة حديثة نُشرت مؤخرًا، مشددةً على أن هذه الأمراض قادرة على أن تهزم كافة جهودنا الطبية إن لم نبادر بإحداث هذا التغيير.

يوضح “ماثيو أور” -الأستاذ المساعد لعلم الأحياء في جامعة ولاية أوريجون الأمريكية OSU، والباحث الرئيسي للدراسة- الأمر بأن مكافحة هذه الأمراض تستلزم تدخُّل الميكروبات المعوية التكافلية symbiotic gut microbes، التي يحتاجها المرء للبقاء في صحة جيدة؛ إذ تُسهم في تنظيم عمليات التغذية والمناعة، مثلما تُسهم في تنظيم عمليات إنتاج الأحماض الدهنية والفيتامينات، وكذلك مستويات السكر ووزن الجسم، كما تمنع نمو البكتيريا الضارة وحدوث الالتهابات، وتحسِّن من الصحة العقلية.
وتوجد أعلى كثافة معروفة للخلايا لأي موئل ميكروبي على الكوكب الأرضي في الأمعاء البشرية، ربما تصل أعدادها لأكثر من 1000 نوع من البكتيريا، تحتوي على أكثر من نصف مليون جين.
ولكن، ومع بدء انتشار الحميات الصناعية وظهور المضادات الحيوية، تضررت منظومة الميكروبات المعوية في أجسام البشر؛ لذا يدعو أور وفريقه البحثي إلى استخدام ما أطلق عليه (Restoration Ecology) -أو ما يُعرف بالاستعادة البيئية- لاسترداد الأنظمة الطبيعية في الجسم لهذه الميكروبات.
يصف أور الأمر بأنه أشبه ما يكون بالاستعادة البيئية التي تحتاج إليها الأنظمة الأيكولوجية كي تسترد عافيتها، فلكي يستطيع الجسم البشري مكافحة الأمراض بفاعلية، لا بد من تعزيز مجتمعات البكتيريا المعوية بداخله.

تطبيقات غير مكتشَفة
توضح الدراسة المنشورة في دورية ذا كوارترلي ريفيو أوف بيولوجي The Quarterly Review of Biology أن تطبيقات هذا العلم في المجال الطبي ما زالت غير مكتشفة، لذا تستكشف الدراسة تطبيق نظرياته على منظومة الميكروبات المعوية، مشيرةً إلى أن الحميات الغذائية الحالية تسببت على نحو كبير في تدميرها، وتُعَد سببًا أساسيًّا في اضطرابها.
وتكشف الدراسة عن أن المجتمعات التقليدية التي لم تصل إليها الحميات الغذائية الصناعية، يتمتع أفرادها بمنظومات للميكروبات المعوية صحية ومتنوعة.
تفيد الدراسات السابقة في مجملها أن هؤلاء الأفراد يتمتعون بصحة أفضل من نظرائهم في المجتمعات الصناعية، وتعزو ذلك إلى الحمية الغنية بالألياف التي يتبعونها، كاشفةً عن أن الأطفال الأفارقة القرويين في بوركينا فاسو، على سبيل المثال، يتمتعون بمستويات من حمض البروبيوتيك probiotics في برازهم أعلى بمقدار أربعة أضعاف مما لدى نظرائهم في أوروبا وشمال أفريقيا.
وهذه الأحماض تنتجها فقط الميكروبات المعوية، وتؤثر في عديد من الوظائف الفسيولوجية، من ضمنها عمليات تكوُّن الأورام السرطانية وتغذية القولون.
كما تفيد نتائج الدراسة أن الحميات الغذائية عالية السعرات الحرارية وعالية الدهون تتسبب في نقص الميكروبات المعوية، وهو ما يترتب عليه زيادة معدلات السمنة والإصابة بالتهابات القولون. وتوضح أن نقص تنوُّع هذه الميكروبات يزيد من معدلات التهاب الأمعاء وربما الإصابة بأمراض السكري، والتوحد والحساسية والربو والسرطان، وكذلك فقدان الشهية العصبي.

الاستعادة البيئية هي الحل
وتكشف الدراسة عن أن هناك طريقتين لاستعادة الميكروبات المعوية، أُولاها الاستعادة السلبية Passive Restoration بإزالة سبب الاضطراب دون أي تدخل إضافي، وتتم عن طريق جمع بيانات شاملة للمريض تتضمن التاريخ الطبي والسفر والحميات الغذائية والمضادات الحيوية التي تناولها وغيرها، لتَعرُّف مصدر الاضطراب قبل إزالته -مثال لذلك: نظام غذائي غير صحي- ثم ترك النظام البيئي ليتعافى ذاتيًّا.
وإذا لم تنجح هذه الخطوة، يكون اللجوء إلى الخطوة التالية، التي تُدعى بالاستعادة النشطة Active Restoration. ففي الطبيعة، يمكن إبادة الأنواع غير المرغوب فيها وإدخال الأنواع المرغوبة. أما في الأمعاء، فتعني إضافة البروبيوتيك والمضادات الحيوية أو إعادة نقل الميكروبات البرازية من شخص سليم إلى شخص مريض، بعد إعادة استخلاصها.
وتؤكد الدراسة أن هذه النتائج تغير من وجهة النظر العلمية التي انتشرت في القرن التاسع عشر، ومفادها أن الميكروبات كائنات مُمْرِضة، إلا أنه بعد زيادة مقاومة المضادات الحيوية، توصي الدراسة بنشر مزيد من الوعي حول ضرر هذه المضادات على الميكروبات المعوية، ونقصها الذي يؤدي إلى الأمراض وليس العكس. وتوصي بمنع الحميات الغذائية عالية السكريات والدهون؛ لعلاج أمراض الأمعاء.
يوضح “ماثيو أور” العلاقة بين الغذاء والميكروبات المعوية، قائلًا: إنه إذا لم يتم أكل الكربوهيدرات المفيدة لهذه الميكروبات، فستبدأ الأخيرة بكسح بطانة الأمعاء للحصول على المغذيات التي تحتاجها، ما يتسبب في عديد المشكلات الصحية التي نحن في غنًى عنها. ويؤكد أور أن المضادات الحيوية تقتل الميكروبات المعوية، وقد لا تعود مرةً أخرى، أو تُستبدل بها أنواعٌ أقل فائدة.

نقصها يسبب الأمراض
وتؤكد هذه النتائج العديد من الدراسات السابقة، ومنها دراسة أجراها باحثون بقسم الكيمياء والكيمياء الحيوية بجامعة كولورادو بالتعاون مع معهد هوارد هيوز الطبي، وتشير إلى أن الميكروبات المعوية تسهم في الحد من أمراض الحساسية، كما وجدت أن الأشخاص الذين يعانون من البدانة ومرض كرون (Crohn’s disease) (التهاب مُزمن يصيب الجهاز الهضمي عامّةً، من الفم وحتّى الفتحة الشرجيّة)، يعانون اضطرابًا في الميكروبات المعوية الخاصة بهم ونقصًا في تنوُّعها بالمقارنة مع الأصحاء.
وتشير الدراسة إلى أن النقص في تنوُّع الميكروبات المعوية واضطرابها يتسبب في الإصابة بعديد الأمراض، منها الإنفلونزا وسرطان القولون واضطراب المناعة الذاتية، بجانب بعض الاضطرابات السلوكية كذلك.
ويشدد أور على أنه يجب تجنُّب المضادات الحيوية قدر الإمكان، وتجنُّب تناول السكريات البسيطة، مع ضرورة تناول الفواكه والخضراوات ، وإذا كان الشخص يعاني أي اضطرابات في الجهاز الهضمي، فعليه أن يتجنب تناوُل الحبوب ومنتجات الألبان أو الأغذية المصنَّعة أو المعالَجة. ويضيف أن وجود أمراض مزمنة قد يكون مؤشرًا على اضطراب الميكروبات المعوية، ما يستلزم إجراء تحليل للتأكد.
ومن جانبها تنصح “نانسي يونس أمين” -أستاذ الميكروبيولوجي بكلية طب الإسكندرية- بتناول المنتجات الطبيعية المحتوية على البروبيوتيك، مثل الزبادي والأغذية المتخمرة التي تفيد الميكروبات النافعة بالجسم، وتجنُّب الأكل غير الصحي والسكريات.
كما تؤكد خطورة تناول المضادات الحيوية لمدة طويلة؛ لضررها الشديد على الميكروبات المعوية المعروفة بفائدتها، حتى إنها توصف أحيانًا بأنها عضو من أعضاء الإنسان؛ لفرط أهميتها.
وتتفق “فائقة محمود غنيم” -أستاذ الميكروبيولوجي بكلية طب جامعة الإسكندرية- معها، إذ تشير إلى أن الأطعمة غير المتوازنة تُخِل بتوازن الميكروبات المعوية، لذا يجب تناوُل الأطعمة بتوازن مطلوب، وتنصح بأن تحتوي الوجبة الغذائية على الخضار والفواكه والبروتينات والكربوهيدرات باعتدال، مشيرةً إلى أهمية الميكروبات المعوية ودورها في الدفاع عن الجسم، وموضحةً أن تغيير الأنظمة الغذائية بالتزامن مع العلاجات المتبعة من شأنه أن يساعد كثيرًا في نجاح الخطة العلاجية ككل.

منقول